الشيخ الصدوق
81
الأمالي
فتدرع المدرعة على بدنه ، ووضع البرنس على رأسه ، ثم أتى بيت المقدس ، فأقبل يعبد الله عز وجل مع الأحبار حتى أكلت مدرعة الشعر لحمه ، فنظر ذات يوم إلى ما قد نحل من جسمه فبكى ، فأوحى الله عز وجل إليه : يا يحيى ، أتبكي مما قد نحل من جسمك ! وعزتي وجلالي لو اطلعت على النار اطلاعة لتدرعت مدرعة الحديد فضلا عن المنسوج ( 1 ) ، فبكى حتى أكلت الدموع لحم خديه ، وبدا للناظرين أضراسه ، فبلغ ذلك أمه ، فدخلت عليه ، وأقبل زكريا واجتمع الأحبار والرهبان ، فأخبروه بذهاب لحم خديه ، فقال : ما شعرت بذلك . فقال زكريا : يا بني ، ما يدعوك إلى هذا ؟ إنما سألت ربي أن يهبك لي لتقر بك عيني . قال : أنت أمرتني بذلك يا أبه ، قال : ومتى ذلك يا بني ؟ قال : ألست القائل : إن بين الجنة والنار لعقبة لا يجوزها إلا البكاءون من خشية الله ؟ قال : بلى ، فجد واجتهد وشأنك غير شأني . فقام يحيى ، فنفض مدرعته ، فأخذته أمه ، فقالت : أتأذن لي - يا بني - أن أتخذ لك قطعتي لبود ( 2 ) تواريان أضراسك ، وتنشفان دموعك ؟ فقال لها : شأنك . فاتخذت له قطعتي لبود تواريان أضراسه ، وتنشفان دموعه ، فبكى حتى ابتلتا من دموع عينيه ، فحسر عن ذراعيه ، ثم اخذهما فعصرهما ، فتحدرت الدموع من بين أصابعه ، فنظر زكريا إلى ابنه وإلى دموع عينيه ، فرفع رأسه إلى السماء فقال : اللهم إن هذا ابني ، وهذه دموع عينيه ، وأنت أرحم الراحمين . وكان زكريا ( عليه السلام ) إذا أراد أن يعظ بني إسرائيل يلتفت يمينا وشمالا ، فإن رأى يحيى ( عليه السلام ) لم يذكر جنة ولا نارا ، فجلس ذات يوم يعظ بني إسرائيل ، وأقبل يحيى قد لف رأسه بعباءة ، فجلس في غمار الناس ( 3 ) ، والتفت زكريا يمينا وشمالا فلم
--> ( 1 ) في نسخة : المسوح . ( 2 ) اللبود : جمع لبد ، وهو كل شعر أو صوف متلبد ، سمي به للصوق بعضه ببعض . ( 3 ) غمار الناس : جمعهم المزدحم المتكاثف .